في ليلة لا تُنسى على أرض استاد الإمارات، عزز أرسنال موقعه في صدارة سباق لقب الدوري الإنجليزي الممتاز بفوز متأخر ومثير بهدفين دون رد على ضيفه العنيد إيفرتون. لم يكن الانتصار مجرد إضافة ثلاث نقاط ثمينة، بل كان لحظة فارقة شهدت تحطيم الشاب الواعد ماكس دوغمان، البالغ من العمر 16 عامًا، الرقم القياسي ليصبح أصغر هداف في تاريخ المسابقة، مسجلاً هدفاً حاسماً أشعل جنون الجماهير وأعاد الحديث عن لقب غائب عن خزائن النادي منذ 22 عامًا.
جاء الهدف الأول في الدقيقة 89، ليمنح أرسنال التقدم بعد صراع مرير وتوتر ساد أجواء المباراة. استغل المهاجم البديل فيكتور غيوكيريس خطأ دفاعياً فادحاً بين حارس مرمى إيفرتون، جوردان بيكفورد، والمدافع بييرو هينكابييه، لتتهيأ الكرة أمامه ويسكنها الشباك الخالية بسهولة، مانحاً فريقه الأفضلية في لحظة حاسمة كادت أن تنتهي بالتعادل السلبي.
لكن الحديث الأبرز بعد المباراة كان عن اللحظة التي سبقت الهدف الثاني، والتي شكلت نقطة تحول حقيقية. أظهر المدرب ميكيل أرتيتا جرأة تكتيكية كبيرة بإشراكه الشاب ماكس دوغمان في الدقيقة 74، بديلاً للاعب الوسط العميق مارتن زوبيميندي. هذا التغيير الهجومي، الذي شهد انتقال دوغمان إلى الجناح الأيمن ودخول بوكايو ساكا إلى العمق، أثمر عن شرارة هجومية جديدة وضخ دماء شابة في شرايين الفريق.
لم يكتفِ دوغمان بالمشاركة، بل كان له دور محوري في صناعة الهدف الأول، قبل أن يختتم الليلة بهدف تاريخي لن يُنسى. في اللحظات الأخيرة من المباراة، ومع تقدم الحارس جوردان بيكفورد للمشاركة في ركلة ركنية يائسة لـإيفرتون بحثاً عن هدف التعادل، استعاد أرسنال الكرة في هجمة مرتدة سريعة. انطلق دوغمان بها من منتصف الملعب، مبرزاً ثقة استثنائية وقدرة مذهلة في التعامل مع الكرة تحت الضغط.
تجاوز دوغمان ببراعة المدافع فيتاليي ميكولينكو، ثم قام بمراوغة ساحرة داخل منطقة الجزاء متفادياً كيرنان ديوزبري-هول، ليشق طريقه نحو المرمى الخالي تماماً. عندما سدد الكرة في الشباك، انفجرت المدرجات بالهتافات الصاخبة التي هزت أركان استاد الإمارات، وقاد أرتيتا الاحتفالات الجنونية على خط التماس. لم يكن دوغمان مجرد أصغر هداف في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز، بل بدا وكأنه قد أشعل شرارة الأمل في نفوس جماهير أرسنال لتحقيق لقب طال انتظاره، مقدماً دليلاً على أن الفريق يمتلك المواهب القادرة على حسم اللحظات الكبرى.
لم يكن الانتصار سهلاً على الإطلاق، فقد قدم إيفرتون أداءً ممتازاً، وأثبت أنه خصم عنيد واختبار حقيقي لطموحات أرسنال. تحت قيادة المدرب المخضرم ديفيد مويس، الذي عاد إلى النادي في يناير من العام الماضي في فترة أزمة، تطور الفريق ليصبح منظماً وقوياً بدنياً، مما يجعل الأمور صعبة للغاية على خصومه. قبل هذه المباراة، كان إيفرتون يمتلك ثالث أفضل سجل خارج أرضه في الدوري، متفوقاً عليه فقط أرسنال وتشيلسي، مما يؤكد مدى صعوبة المهمة التي واجهها أرسنال.
خلافاً لتوقعات البعض، لم يعتمد مويس على التكتيكات الدفاعية البحتة أو “ركن الحافلة”، بل أظهر فريقه قدرة على اللعب الهجومي المنظم. تألق لاعبون مثل إدريسا غايي وديوزبري-هول وإيليمان ندياي بشكل لافت، وكانوا مصدر إزعاج دائم لدفاع أرسنال. كان ندياي يشكل تهديداً مستمراً على الجناح الأيسر، وبدا إيفرتون قادراً على صناعة الفرص في الشوط الأول، وقد يشعر مويس بالإحباط لعدم تمكن فريقه من التسجيل قبل الاستراحة، خاصة بعد الفرص التي أتيحت لهم.
شهدت الدقيقة 17 لحظة مقلقة لـأرسنال عندما تعرض الظهير الأيمن يوريين تيمبر للإصابة بعد محاولة إيقاف انطلاقة خطيرة من ندياي. ورغم محاولة تيمبر الاستمرار في اللعب، إلا أنه اضطر لمغادرة الملعب، مما أجبر أرتيتا على إجراء تغيير مبكر. وفي إحدى الفرص الخطيرة لـإيفرتون، تصدى الحارس ديفيد رايا ببراعة لعرضية ندياي، لتصل الكرة إلى دوايت ماكنيل في وضع مثالي للتسجيل، لكن المدافع ريكاردو كالافيوري، الذي بدأ المباراة بدلاً من هينكابييه، قام بتدخل بهلواني مذهل ليحرم إيفرتون من هدف محقق كان سيغير مجرى المباراة.
هذا الفوز، الذي جاء بعد اختبار حقيقي لقدرات أرسنال وصموده أمام فريق منظم وقوي، يؤكد تصميم الفريق على المضي قدماً في سباق اللقب. مع تألق المواهب الشابة مثل ماكس دوغمان، يبدو أن أرسنال يمتلك الشرارة اللازمة لتحقيق حلم جماهيره بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز بعد غياب دام 22 عامًا، وأن هذا الانتصار قد يكون نقطة تحول حاسمة في مسيرتهم نحو المجد.