تجد أحلام المنتخب العراقي في العودة إلى منصة كأس العالم للمرة الأولى منذ نسخة 2014 في البرازيل نفسها على حافة الهادي، ليس بسبب منافس على أرض الملعب، بل بسبب تعقيدات لوجستية وجغرافية سياسية تبدو أقوى من أي دفاع. تواجه البعثة العراقية أزمة غير مسبوقة تهدد مشاركتها في مباراة الملحق الحاسمة المؤهلة لكأس العالم 2026، والمقرر إقامتها في 31 آذار/مارس في مدينة مونتيري المكسيكية. الأزمة متعددة الأوجه: صعوبات جسيمة في حصول اللاعبين المحترفين وأعضاء الطاقمين الفني والطبي على تأشيرات الدخول إلى المكسيك، وتعذر سفر المدرب الرئيسي للفريق، الأسترالي غراهام أرنولد، الذي يحبسه إغلاق المجالات الجوية في الإمارات العربية المتحدة. هذا الوضع يضع الاتحاد العراقي لكرة القدم في موقف بالغ الحرج، حيث يضطر للتحضير لأهم مباراة في عقد من الزمن دون مدربه الرئيسي وربما دون عناصر أساسية من لاعبيه المحترفين المنتشرين في أوروبا وآسيا.
من الناحية التكتيكية، يعتبر غياب غراهام أرنولد ضربة قاصمة. المدرب الأسترالي، الذي قاد منتخب بلاده بنجاح في كأس العالم 2022، كان قد بدأ في غرس فلسفته الهجومية المنظمة والاعتماد على الكرات الثابتة والانتقال السريع في اللاعبين العراقيين خلال الفترة القصيرة التي قضاها معهم. غيابه يعني اضطراباً كاملاً في الخطة المباراة، وفقدان القائد الفني الذي يفترض أن يدرس منافسيه المحتملين، سواء كان بوليفيا أو سورينام، ويضع الاستراتيجية المناسبة. بوليفيا، مع خط هجومي يعتمد على القوة الجسدية واللعب الهوائي خاصة على ارتفاعاتها، وسورينام، التي تعتمد على سرعة ومهارة لاعبيها من أصول هولندية، يتطلبان تحليلاً دقيقاً وتحضيراً نوعياً. بدون أرنولد، قد يضطر الفريق للاعتماد على مساعديه أو حتى على قيادة ذاتية من اللاعبين القدامى، وهو أمر محفوف بالمخاطر في موقف بهذه الحساسية.
أوضحت وزارة الخارجية المكسيكية أن جذر المشكلة يكمن في عدم وجود سفارة أو قنصلية مكسيكية في العراق، مما يجبر اللاعبين والطاقم على السفر إلى دول مجاورة أو إلى الإمارات حيث توجد سفارة مكسيكية. ومع ذلك، فإن إغلاق العديد من السفارات في المنطقة بسبب التوترات الأمنية الناجمة عن الحرب الدائرة يجعل هذه العملية مستحيلة بالنسبة للكثيرين. الرد المكسيكي، الذي يقترح منح التأشيرات في أي دولة أوروبية، يبدو حلاً نظرياً أكثر منه عملياً، حيث يتطلب من اللاعبين، الذين قد يكونون في نهاية فترة مباريات مع أنديتهم، السفر إلى أوروبا أولاً للحصول على التأشيرة قبل التوجه إلى المكسيك، وهي رحلة مرهقة تستنزف الطاقة والوقت الثمينين قبل المباراة الحاسمة. هذا الوضع يسلط الضوء على هشاشة البنية التحتية الدبلوماسية للرياضة العالمية في أوقات الأزمات الإقليمية.
الاتحاد العراقي أكد أنه في اتصال مستمر مع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والاتحاد الآسيوي لكرة القدم، مما يدفع نحو سيناريو تدخل المؤسسات الدولية. لوائح الفيفا تمنح رئيسها جاني إنفانتينو صلاحيات واسعة في حالات القوة القاهرة، مما يفتح الباب أمام احتمالات مثل تأجيل المباراة، أو تغيير مكان إقامتها إلى دولة محايدة، أو حتى منح العراق تأشيرات خاصة عند الوصول. ومع ذلك، فإن أي قرار من هذا القبيل سيكون سابقة خطيرة وقد يثير اعتراضات من الفريق المنافس ومن الاتحاد المكسيكي المضيف. التحدي الأكبر لفيفا هو الموازنة بين مبدأ تكافؤ الفرص الرياضية والالتزام بالسيادة الوطنية والقوانين الدبلوماسية للدول المضيفة.
في خلفية هذه الأزمة، يلوح مسار تأهيل بديل غامض لكنه ممكن نظرياً. إذا تعذر على إيران المشاركة في البطولة النهائية لأسباب تتعلق بالوضع الأمني، فإن العراق أو الإمارات العربية المتحدة، بصفتهما المنتخبين الآسيويين التاسع والعاشر في التصفيات، قد يحلان محلها. هذا الاحتمال، رغم كونه بعيداً ويعتمد على تطورات جيوسياسية معقدة، يقدم بارقة أمل أخرى لكنه يثير تساؤلات أخلاقية وقانونية حول معايير التأهل. تصريح المسؤول الإيراني مهدي تاج الذي قال: “لا يمكن أن يُتوقع منا أن ننظر إلى كأس العالم بالأمل”، يعكس حجم التوترات التي تحيط بالرياضة في المنطقة. رغم كل هذه السحب السوداء، يبقى الأمل الأكثر وضوحاً وشرعية أمام العراق هو تحقيق الفوز في مونتيري، إذا ما تم حل أزمة السفر والتأشيرات في الوقت المناسب، ليكتب فصلاً جديداً من البطولة في تاريخ كرة القدم العراقية التي تتوق إلى إسعاد جمهورها من جديد على أكبر منصة عالمية.