أطلق غراهام أرنولد، المدير الفني للمنتخب العراقي، صرخة استغاثة عاجلة إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، مطالباً إياه بوضع خطة طوارئ بديلة وتأجيل مباراة الملحق الحاسمة المؤهلة لكأس العالم 2026، والتي من المقرر أن تُلعب في 31 آذار/مارس في مدينة مونتيري المكسيكية. جاءت هذه المطالبة في ظل ظروف استثنائية وغير مسبوقة، حيث يشكل الإغلاق الشامل للمجال الجوي العراقي ومعظم دول الشرق الأوسط منذ 28 شباط/فبراير الماضي، نتيجة التصعيد العسكري بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، عقبة لوجستية كبرى تهدد بتحويل الحلم التاريخي للعراق بالتأهل للمونديال لأول مرة منذ 40 عاماً إلى كابوس. وأوضح أرنولد، في تصريحات نقلها اتحاد الكرة العراقي ووكالة الأسوشيتد برس الأسترالية، أن القيود المفروضة على السفر الجوي قد تحول دون وصول اللاعبين المحليين وأعضاء الجهاز الفني إلى مكان المباراة في الوقت المناسب، مما سيجبر الفريق على خوض المواجهة الأهم في تاريخه الحديث بتشكيلة ناقصة، وهو أمر غير مقبول على الإطلاق في منافسة بهذا الحجم.
من الناحية التكتيكية والتحضيرية، يمثل هذا الوضع ضربة قاصمة للخطة التي رسمها أرنولد، الذي تولى قيادة أسود الرافدين قبل عامين بهدف وحيد هو العودة إلى منصة العالم. يعتمد المنتخب العراقي في بنيته الأساسية على مزيج متوازن بين خبرة اللاعبين المحترفين في الدوري المحلي، الذين يشكلون العمود الفقري للفريق من حيث التماسك والروح المعنوية، ومهارة المغتربين في الدوريات الآسيوية والأوروبية الذين يضيفون اللمسة الإبداعية والحس التكتيكي المتقدم. حرمان الفريق من اللاعبين المحليين، وهم غالباً قلب الدفاع والوسط المدافع وبعض العناصر الهجومية المهمة، سيفكك هذا البناء ويجرد أرنولد من خياراته الاستراتيجية. كما أن عدم قدرة الجهاز الفني على عقد معسكر تحضيري متكامل، يجمع بين جميع العناصر مع إجراء الفحوصات الطبية والتدريبات التكتيكية المكثفة، سيدخل الفريق إلى المباراة وهو غير جاهز بدنياً أو نفسياً لمواجهة الفائز من مواجهة سورينام وبوليفيا، وهي فرق تمتلك عناصر مفاجأة وتعتمد على القوة البدنية واللعب السريع على الأجنحة.
ولمواجهة هذا المأزق، طرح أرنولد سيناريو بديلاً واضحاً وعملياً، يتمثل في تأجيل مباراة الملحق. واقترح أن تقام مباراة بوليفيا ضد سورينام في موعدها المقرر هذا الشهر، على أن يلعب العراق ضد الفائز منها قبل أسبوع واحد فقط من انطلاق كأس العالم، وذلك في الولايات المتحدة الأمريكية التي تستضيف البطولة بالمشاركة مع كندا والمكسيك. هذا الاقتراح لا يحل أزمة العراق فحسب، بل يمنح الفيفا هامشاً زمنياً أوسع للتعامل مع ملف معقد آخر، وهو وضع المنتخب الإيراني في التصفيات. فبحسب نظام التأهل، إذا انسحبت إيران بسبب الظروف الجيوسياسية الراهنة، فإن العراق سيتأهل تلقائياً إلى المونديال، مما يفتح الباب أمام المنتخب الإماراتي، الذي خرج من التصفيات أمام العراق، لملء الفراغ والتحضير لمواجهة الفائز من بوليفيا وسورينام في ملحق بديل. وهكذا، فإن تأجيل المباراة، من وجهة نظر أرنولد، هو حل شامل يحفظ حقوق جميع الأطراف ويضمن نزاهة المنافسة في ظل ظروف قاهرة، بدلاً من إجبار فريق على اللعب بتشكيلة مبتورة في موقف مصيري.
تأتي هذه المطالبات في إطار سابقة نادرة في عالم كرة القدم، حيث تتداخل التعقيدات السياسية والأمنية مع المنافسة الرياضية في أخطر صورها. وتضع الفيفا أمام امتحان حقيقي لقدرتها على إدارة الأزمات وإظهار المرونة اللازمة لحماية روح اللعبة ومبدأ تكافؤ الفرص. فالقرار الذي ستتخذه المنظمة الدولية في الأيام القليلة المقبلة لن يحدد مصير المنتخب العراقي فقط، بل سيرسم سابقة مهمة لكيفية تعامل العالم الرياضي مع النزاعات الإقليمية وتأثيرها على البطولات الكبرى. الجماهير العراقية، التي تنتظر هذه اللحظة التاريخية منذ جيل كامل، تراقب بقلق بالغ، على أمل أن تستمع الفيفا لنداء المدرب أرنولد وتتخذ القرار الذي يحفظ للعراق حقه في خوض المعركة بأقصى قوته، محققاً حلم الملايين في رؤية علم بلادهم يرفرف في محفل العالم مرة أخرى.