يغرق توتنهام هوتسبير في أزمته الأكثر خطورة منذ عقود، بعد الهزيمة المدوية أمام كريستال بالاس (0-2) على ملعبه، في مشهد يلخص حالة الانهيار التي يعيشها النادي. آلاف المشجعين غادروا الملعب قبل النهاية، فيما بقي الفريق على بعد نقطة واحدة فقط من منطقة الهبوط في الدوري الإنجليزي الممتاز. هذه صورة قاتمة لنادٍ كان في نهائي دوري أبطال أوروبا قبل سبع سنوات فقط، وتوج ببطولة الدوري الأوروبي الموسم الماضي. فكيف وصل الأمر إلى هذا الحد؟ يبدو أن الأزمة بنيوية ومعقدة، تتجاوز مجرد سوء النتائج على الملعب. المدرب المؤقت إيغور تودور، الذي عُين كـ”مدرب صدمة” لإنقاذ الموقف، خسر مباراته الثالثة على التوالي، مما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى استمراره وفعالية القرارات الإدارية المتعاقبة التي أوصلت النادي إلى هذا المنحدر الخطير.
تتركز أصابع الاتهام بشكل كبير على الإدارة السابقة، وخصوصاً الرئيس السابق دانييل ليفي، الذي قضى 25 عاماً على رأس النادي قبل استقالته في سبتمبر الماضي. بينما يُنسب لليفي الفضل في بناء واحد من أفضل الملاعب في العالم وإدارة مالية محكمة، فإن سجله في الجانب الرياضي يعد مخيباً للآمال، حيث اقتصرت إنجازاته على كأس الرابطة عام 2008 والدوري الأوروبي الموسم الماضي فقط. التعليق التحليلي للحارس الدولي السابق بول روبنسون يلخص جزءاً من المشكلة: “دانييل يواجه الكثير من الانتقاد، بعضه غير عادل. انظر إلى المدربين الذين عينهم عندما كان المطلب هو الفوز بالألقاب. عيّن مدربين من نوعية ‘اربح الآن’ مثل جوزيه مورينيو وأنطونيو كونتي، لكنه لم يزودهم بلاعبين من نفس العيار”. هذه المفارقة بين طموح التعيينات وواقع التعزيزات هي جوهر الأزمة التكتيكية والاستراتيجية. منذ إقالة ماوريسيو بوتشيتينو في نوفمبر 2019، أنفق النادي 979 مليون جنيه إسترليني على شراء اللاعبين (صافي الإنفاق 653 مليون جنيه)، ليكون رابع أكبر نادٍ إنفاقاً في الدوري بعد تشيلسي ومانشستر يونايتد وآرسنال. ومع ذلك، يبدو هذا الإنفاق بلا هوية أو خطة رياضية واضحة، مما أدى إلى تشكيلة غير متجانسة تفتقر إلى التوازن والروح القتالية.
من الناحية التكتيكية، يعاني توتنهام من أزمة هوية حادة. مر النادي على مدار السنوات الأربع الماضية على مدارس تدريبية مختلفة تماماً: من كرة القدم الهجومية المنظمة تحت قيادة بوتشيتينو، إلى الأسلوب الدفاعي العملي لمورينيو، ثم الصرامة التكتيكية لكونتي، وصولاً إلى محاولات تودور الأخيرة التي تبدو عاجزة. هذا التغيير المستمر منع بناء فلسفة لعبة ثابتة أو مشروع طويل الأمد. الفريق يفتقر اليوم إلى التنظيم الدفاعي، حيث تلقى 48 هدفاً في 33 مباراة، كما يعاني من عقم هجومي ملحوظ. غياب قائد حقيقي على الملعب وقائد فكري في خط الوسط يزيد الطين بلة، حيث يبدو الفريق كمجموعة أفراد وليس كفريق متماسك. سياسة الأجور أيضاً تلعب دوراً، ففاتورة أجور الفريق الموسم الماضي بلغت 248.6 مليون جنيه إسترليني، وهي أقل بكثير من باقي أندية الستة الكبار، مما قد يحد من جذب النخبة أو الاحتفاظ بها.
المشكلة تبدو أعمق من مجرد مدرب أو مجموعة لاعبين. إنها أزمة ثقافة نادٍ. توتنهام، تحت قيادة ليفي، ركز على النمو كعلامة تجارية ومشروع عقاري، لكنه أهمل الجوهر الرياضي. عملية الانتقال إلى الإدارة الجديدة بقيادة الرئيس التنفيذي فيناي فينكاتيشام ومدير الكرة يوهان لانج جاءت في وقت حرج، حيث تورط النادي في معركة الهبوط. التساؤل الملح الآن: هل قرار تعيين تودور جاء متأخراً جداً؟ وهل يمكن لهذه الإدارة الجديدة أن تصلح في بضعة أسابيع ما تم إفساده على مدار سنوات؟ تاريخ النادي مع المدربين لا يبعث على التفاؤل، حيث شهد إقالة 12 مدرباً مختلفاً في العقدين الماضيين، مما يعكس رد فعل انفعالياً بدلاً من التخطيط الاستراتيجي. الهزيمة أمام بالاس كشفت عن انعدام الثقة بين اللاعبين والجمهور، وهي سمة خطيرة في معارك البقاء.
المستقبل يبدو غامضاً. مع بقاء 5 مباريات فقط في الموسم، يواجه توتنهام أصعب اختبار في تاريخه الحديث. الإنقاذ لا يزال ممكناً من الناحية الحسابية، لكنه يتطلب معجزة على المستوى المعنوي والتكتيكي. الهوية الضائعة والروح المنكسرة تشكلان تحدياً أكبر من أي خصم على الملعب. النادي يدفع ثمناً باهظاً لسنوات من القرارات المتعثرة والرؤية المشتتة. السقوط من دوري أبطال أوروبا إلى شفا الهبوط في غضون سبع سنوات فقط هو قصة تحذيرية لكل الأندية الكبرى عن مخاطر إهمال الأساس الرياضي لصالح المشاريع التجارية. الأسابيع القليلة المقبلة ستحدد ما إذا كان توتنهام سينجح في “التحليق حول المصرف” كما قال روبنسون، أم سيسقط فيه بالفعل، في واحدة من أكبر المفاجآت في تاريخ الدوري الإنجليزي.