ديربي إشبيلية ينتهي بالتعادل في ملعب هارتس الإسكتلندي.. قصة جماهيرية فريدة

تعادل دراماتيكي وروح جماهيرية تتخطى الحدود

انتهى ديربي إشبيلية الحارق بين ريال بيتيس وإشبيلية بالتعادل الإيجابي بنتيجة هدفين لكل فريق، في مباراة حملت كل عناصر الكلاسيكيكو الأندلسي من حدة وتشويق. لكن القصة الحقيقية لهذا الديربي تجاوزت حدود ملعب بنيتو فيامارين، لتمتد إلى حانة تقليدية في قلب إدنبرة الإسكتلندية، حيث تجمع عشرات المشجعين المنفيين ليشعروا بنبض المباراة وهم على بعد آلاف الكيلومترات من أرض المعركة.

إشبيلية هي أفضل مدينة في أوروبا. لديها أفضل طقس، أفضل طعام، أفضل ثقافة، أفضل مدينة قديمة، أفضل حانات، وأفضل منافسة

هكذا يصف الكاتب المتخصص كولين ميلار، مؤلف كتاب “مقلاة إسبانيا”، عمق التنافس في المدينة التي تضم ناديين عملاقين يتقاسمان الولاء الجماهيري مناصفة. هذا الانقسام المتوازن يخلق مناخاً فريداً للمنافسة، حيث يمتلئ الشارع بالألوان والأصوات والعاطفة الجارفة.

حانة بولوارث.. جزيرة أندلسية في إسكتلندا

في حانة بولوارث أرمز القريبة من ملعب نادي هارتس، تحول الجو إلى قطعة من أندلوسيا. الحانة التي يرتادها مشجعو هارتس وآرسنال، تستضيف أيضاً فروعاً لمشجعي أتلتيكو مدريد وريال بيتيس. في يوم الديربي، اكتست الحانة بالأخضر والأبيض، ألوان بيتيس التي يعود أصلها إلى نادي سلتيك الإسكتلندي، وهي حقيقة تم الاعتراف بها رسمياً مؤخراً.

يقف عمود تذكاري في وسط الحانة، يحمل أسماء أولئك الذين كانوا جزءاً من تاريخ هذا المكان في السراء والضراء. بين الأسماء الإسبانية، يظهر اسم آلان لايدلو، الشريك السابق في الحانة الذي توفي إثر نوبة قلبية خلال جائحة كورونا. تحولت جنازته إلى حدث مؤثر جمع بين الأصدقاء الإسكتلنديين والإسبان.

لا أعرف إذا حضرت جنازة خلال كورونا، لكنها كانت أحداثاً مدمرة للروح

يقول بن براوز، مالك الحانة، موضحاً كيف تحول الحزن إلى رباط إنساني قوي. حضر أعضاء نادي مشجعي بيتيس مراسم التأبين مرتدين قمصان فريقهم، تقديراً لصديق كان جزءاً من مجتمعهم رغم كونه مشجعاً لنادي هارتس في الأصل.

قصة تأسيس النادي الجماهيري في المنفى

بدأت القصة قبل عقد من الزمن، عندما كان مشجعو بيتيس في إدنبرة يتنقلون بين الحانات بلا مقر دائم. خوسيه كونده، المحاضر الجامعي وأحد مؤسسي النادي الجماهيري، يروي رحلته الشخصية التي تمزج بين العائلة والأزمة الاقتصادية والبحث عن الانتماء.

  • غادر إسبانيا مع بداية الأزمة المالية
  • وجد جزءاً من روح بيتيس في إدنبرة
  • جده كان مديراً في نادي إشبيلية
  • والده لم يكن مهتماً بكرة القدم
  • نشأ بالقرب من برج خيرالدا واختار بيتيس ليشعر بأنه أكثر أصالة

يضيف كونده:

لم يكن اختياري لبيتيس أمراً سهلاً. جدي كان مديراً في إشبيلية. نشأت قرب برج خيرالدا وكان بإمكاني اختيار أي من الفريقين. شعرت أن بيتيس أكثر أصالة. كان قدراً محتوماً.

فلسفة جماهيرية فريدة في أوروبا

يشرح ميلار في كتابه الطبيعة المميزة لكرة القدم في إشبيلية، حيث تحمل جماهير بيتيس شعاراً فريداً هو “مانكي بيردا”، الذي يعني “تأييدنا يستمر حتى عندما نخسر”. هذه الفلسفة تعكس ارتباطاً عاطفياً يتجاوز النتائج الرياضية، حيث يقول المشجعون عن أنفسهم: “لسنا أسوياء في رؤوسنا، لكننا لا نبالي”.

هذه الروح الجماهيرية القريبة من نمط التشجيع في أمريكا الجنوبية، تجد موطنها الطبيعي في إشبيلية. ويتجلى هذا الالتهاب العاطفي في الأرقام، حيث حضر خمسة وعشرين ألف مشجع جلسة التدريب المفتوحة التي نظمها بيتيس قبل الديربي، في مؤشر على الحماسة الشعبية التي تحيط بالفريق.

التعادل في الديربي قد يكون نتيجة رياضية عادية، لكن القصة الإنسانية التي نسجت خلفه في حانة إسكتلندية تذكرنا بأن كرة القدم ليست مجرد لعبة. إنها نسيج من العلاقات الإنسانية، وذاكرة جماعية، وانتماء يتشكل في أصغر التفاصيل وأبعد الأماكن. من شوارع إشبيلية القديمة إلى حانة تقليدية في إدنبرة، يستمر نبض ديربي إشبيلية في الخفقان، حاملاً معه قصصاً عن مجتمع، وصداقة، وحب للكرة لا يعرف حدوداً جغرافية.

طارق الحسيني

كبير محرري قسم الكرة الأوروبية والتحليل التكتيكي التخصص: تحليل خطط اللعب، القراءات التكتيكية المعمقة، وتغطية منافسات الاتحاد الأوروبي (UEFA). الخبرة: صحفي رياضي بخبرة تتجاوز 8 سنوات، يحمل اعتمادات في التحليل الرياضي، ويتميز بقدرته على تفكيك الأنظمة التكتيكية لمدربي الدوريات الخمس الكبرى ووضعها في قوالب تحليلية مبسطة للقارئ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *