في خطوة تاريخية هزت عالم كرة القدم، انضم صانع الألعاب الدولي الإنجليزي السابق جيسي لينغارد رسمياً إلى صفوف نادي كورينثيانز البرازيلي العريق، ليصبح أول لاعب إنجليزي على الإطلاق يخوض غمار منافسات الدوري البرازيلي الممتاز. وقع لينغارد، البالغ من العمر 33 عاماً، عقداً حتى نهاية العام الحالي 2024، مع خيار تمديده حتى نهاية 2027 في حال تحقيق أهداف أدائية وتكتيكية محددة. يأتي اللاعب كصانع ألعاب حر بعد مغادرته نادي إف سي سيول الكوري الجنوبي في ديسمبر الماضي، مختاراً مغامرة برازيلية فريدة بعد مشاورات سريعة مع زميله السابق في مانشستر يونايتد، ممفيس ديباي، الذي أقنعه بجاذبية التجربة.
يخطو لينغارد إلى عالم مختلف تماماً، ليس فقط جغرافيا، بل ثقافياً ورياضياً. ينضم إلى نادٍ لا يُعتبر مجرد مؤسسة رياضية، بل هوية جماهيرية صاخبة كما وصفه الصحفي البرازيلي المخضرم خوسيه روبرتو دي أكوينو بقوله: “كل فريق له جماهيره. كورينثيانز هم جمهور يمتلك فريقاً”. ويتبنى مشجعو النادي، الذين يُعرفون ذاتياً باسم ‘باندو دي لوكوس’ أو “مجموعة المجانين”، هذا اللقب بكل فخر، حيث تعلو لافتة عند مدخل الملعب تقول “مرحباً بكم في بيت المجانين”. هذه العلاقة الفريدة بين النادي والجمهور تتجلى في مواقف أسطورية، مثل سفر 40,000 مشجع إلى اليابان لمشاهدة الفريق وهو يهزم تشيلسي 1-0 في نهائي كأس الإنتركونتيننتال لعام 2012، وجمعهم حوالي 6 ملايين جنيه إسترليني عبر تمويل جماعي لمساعدة النادي في بناء ملعبه الجديد، نيو كيميكا أرينا، مما يؤكد الولاء الذي لا يتزعزع.
من الناحية التكتيكية، يواجه لينغارد تحدياً مزدوجاً: التكيف مع نمط كرة القدم البرازيلية السريع والمليء بالمهارات الفردية، وإثبات أنه لا يزال يمتلك اللمسة السحرية والقدرة البدنية التي ميزته في أفضل أيامه مع مانشستر يونايتد، حيث لعب 232 مباراة على مدى ثماني سنوات قبل مغادرته في 2022. في كورينثيانز، من المتوقع أن يُستخدم لينغارد في مركز صانع الألعاب المتقدم أو على الأجنحة، حيث يمكن لمهاراته في المراوغة ورؤيته التمريرية وحركته الذكية دون كرة أن تضيف بعداً هجومياً جديداً لفريق يعاني أحياناً من الجمود الإبداعي في وسط الملعب. ومع ذلك، فإن بيئة الدوري البرازيلي تتطلب كثافة بدنية عالية وقدرة على تحمل الالتواءات البدنية، وهي عناصر سيكون عليها اختبار حقيقي للاعب قضى الجزء الأخير من مسيرته بين إنجلترا وكوريا الجنوبية.
لم يمر التعاقد دون انتقادات لاذعة من محللين ونجوم سابقين في البرازيل، مما يضيف ضغطاً إضافياً على كتفَي لينغارد. عبر المدافع الدولي السابق لويساو، الذي واجه لينغارد مع بنفيكا في دوري أبطال أوروبا 2017، عن شكوكه قائلاً: “أعتقد أن هناك لاعبين أفضل هنا في البرازيل أو حتى في الخارج. هناك لاعبون سيكلفون أقل وسيحققون نفس النتيجة”. بينما تساءل محللون آخرون عن القيمة المضافة للاعب غاب عن المستويات التنافسية العليا لفترة، وعن قدرته على فهم التعقيدات الثقافية والضغط الهائل في نادٍ مثل كورينثيانز، حيث أدت احتجاجات الجماهير في الماضي إلى رحيل نجوم كبار مثل روبرتو كارلوس وكارلوس تيفيز.
يرتدي لينغارد القميص رقم 77، وهو رقم يحمل رمزية تاريخية عميقة للنادي، حيث يمثل العام 1977 الذي أنهى فيه كورينثيانز جفافاً من الألقاب استمر 23 عاماً بالفوز بلقب بطولة ولاية ساو باولو. هذا الاختيار ليس عبثياً؛ فهو رسالة واضحة من إدارة النادي للجماهير بأن اللاعب الجديد يأتي لكتابة فصل جديد من المجد، وربما ليكون الحلقة المفقودة في خط الوسط. نجاح لينغارد لن يُقاس فقط بالأرقام والأهداف، بل بقدرته على استيعاب ثقافة “المجانين”، وكسب ثقة زملائه في غرفة الملابس، وإثبات أنه قادر على التأقلم مع المناخ والملاعب والأسلوب المختلف تماماً للعب. رحلته في ساو باولو هي أكثر من مجرد انتقال رياضي؛ إنها تجربة أنثروبولوجية في قلب واحدة من أكثر الثقافات الكروية عاطفة وتعقيداً على وجه الأرض. هل سينجح الإنجليزي في ترويض المجانين وكسب قلوبهم، أم سيكون فصلاً آخر في سجل التحولات الصعبة التي لم تثمر؟ الوقت وحده كفيل بالإجابة، ولكن المؤكد أن جميع الأنظار ستكون مسلطة على الرقم 77 وهو يحاول كتابة تاريخه الخاص في أرض السامبا.