آرون وان-بيساكا: من أحلام الطفولة في لندن إلى صرامة الأب وتحدي المونديال

الهدوء قبل العاصفة: استراحة وان-بيساكا التأملية

داخل غرفة سينما خاصة في الطابق الأرضي لإحدى المجمعات السكنية الحديثة في منطقة كاناري وارف اللندنية، يستمتع آرون وان-بيساكا بلحظة نادرة من السلام والهدوء، وهي فرصة قلما يحظى بها لاعبو كرة القدم المحترفون. في يوم إجازته، يرتدي بذلة رياضية جديدة ويتحدث بنبرة هادئة، بينما يسترخي في مقعد فاخر بتلك السمة الهادئة نفسها التي طالما ميزت أداءه على أرض الملعب. يخطط بعد ذلك، كما يقول مبتسماً، لأخذ قيلولة.

لطالما شكل هذا التواضع والهدوء هوية وان-بيساكا، اللاعب الذي يفضل أن يتحدث أداؤه عن نفسه بدلاً من السعي وراء الأضواء. الآن، وهو يرتدي قميص وست هام بعد فترة تكوينية في مانشستر يونايتد، يجد اللاعب البالغ من العمر 28 عاماً نفسه في حالة تأمل، يسترجع فيها رحلة حملته من أحياء لندن الشعبية إلى ملعب أولد ترافورد ثم العودة مرة أخرى إلى العاصمة.

ربما كنت في الخامسة من عمري عندما وقعت في حب كرة القدم لأول مرة. كان الأمر مجردي وأخي في الحي نلعب بالكرة. كنا نخرج إلى المساحة الخضراء المقابلة لمنزلنا للعب. كنا نسميها ملعب ويمبلي الخاص بنا.

من “ويمبلي” الحي إلى حلم الاحتراف

مع تطور الحوار، تتبلور القصة لتكون بقدر ما هي عن كرة القدم، عن العائلة والتضحية. قبل الأضواء الساطعة للدوري الإنجليزي الممتاز بوقت طويل، بدأت تربية وان-بيساكا الكروية على رقعة العشب خارج منزل طفولته. وكأي طفل من جيله في لندن، كان أول معبود كروي له هو النجم الفرنسي تييري هنري، نجم أرسنال السابق.

لطالما أردت أن أكون مثله. بصراحة، كان لدي هذه الصورة لي وأنا أتحول إليه، وأكبر لأكون هذا النوع من اللاعبين. كان معبودي. أعتقد أن السبب كان رباطة جأشه. سجل الكثير من الأهداف لكنه كان يحمل الفريق أيضاً. كان قائداً. وكانت عائلتي بأكملها تشجع أرسنال أيضاً عندما كنت أكبر.

يبدو حلم الطفولة هذا متناقضاً مع سمعته الحالية كلاعب دفاع عملي لا يحب المزايدات. لقد تشكلت مسيرة وان-بيساكا المهنية في النهاية من خلال صمود العائلة وعلاقة صارمة مع والده.

لم أدرك في البداية حجم التضحيات التي كان والداي يبذلانها من أجل حلمي. عندما دخلت المدرسة الثانوية، وهو العمر الذي تبدأ فيه برغبة الحصول على أشياء مثل الأحذية الرياضية وكرات القدم، كنت طالباً كثير المطالب. لكنهم كانوا يتجاهلون الأمر ويقولون: “عليك الانتظار بضعة أشهر”. حينها أدركت أن الأمر لم يكن سهلاً على والديّ لتوفير الأشياء التي كنت أطلبها.

ويكشف وان-بيساكا عن تفاصيل مؤثرة: عمل والداه في وظائف تنظيف لتمويل شراء أحذيته الكروية، وكان والده أمبروز يقع في مشاكل بسبب مغادرته العمل مبكراً ليوصله إلى التدريبات.

صرامة الأب: لغة النقد طريقاً إلى التميز

جاء تأثير الأب من خلال الانضباط وليس المديح، في علاقة معقدة شكلتها حواجز لغوية.

كان الأمر صعباً لأن هناك حاجزاً لغوياً بيننا. لغته الإنجليزية لم تكن قوية وفرنسيتي لم تكن جيدة، لذلك كانت الكلمات المتبادلة بيننا قليلة في بعض الأحيان.

يتذكر وان-بيساكا، الذي لعب الآن تسع مرات مع منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية، بلد ميلاد والده. سيواجه المنتخب الكونغولي إما نيوكاليدونيا أو جامايكا الشهر المقبل في ملحق الاتحاد الدولي لكرة القدم في زابوبان بالمكسيك، للفوز بتذكرة إلى كأس العالم هذا الصيف.

تحدثنا في الغالب عن كرة القدم. لكنه كان دائماً ينتقدني أو يخبرني بما يمكنني فعله بشكل أفضل. لم يكن هناك مديح أبداً. يجب أن أقول، وجدت الأمر محيراً في ذلك الوقت. كنت أتساءل دائماً لماذا لا يمدحني. كنت أسأل نفسي: “ألا أفعل ما يكفي؟” حتى بعد أن أحرزت هدفاً، كنت أغادر الملعب وهو غير راض. كنت أفكر في نفسي: “أليس هدفاً واحداً كافياً؟” ولكن مع تقدمي في العمر بدأت أفهم الأمر. لقد أراد فقط أن أختبر نفسي وأصبح أفضل نسخة من نفسي.

بعد أن تأقلم بسهولة مع متطلبات الدوري الإنجليزي الممتاز في كريستال بالاس، حيث فاز بجائزة أفضل لاعب في موسمه الأول الكامل مع الفريق الأول، انتقل وان-بيساكا إلى مانشستر يونايتد ثم إلى وست هام. اليوم، وهو يستعد لتحدي عالمي جديد مع منتخب الكونغو، يبدو أن الدروس التي تعلمها في طفولته – التضحية والعمل الجاد والنقد البناء – هي التي تشكل رحلته المستمرة، حيث يسعى اللاعب الهادئ الطباع إلى جعل أدائه يتحدث مرة أخرى، هذه المرة على أكبر مسرح في العالم.

رنا الصالح

رنا الصالح صحفية رياضية ومتخصصة في تحليل كرة القدم الأوروبية، مع خبرة أكثر من 7 سنوات في تغطية المباريات الكبرى وكتابة تحليلات تكتيكية مفصلة للأندية واللاعبين. تعمل أيضًا على التحليل المالي والاقتصادي لصفقات الانتقالات والقيم السوقية للأندية، مما يتيح رؤية شاملة تجمع بين الأداء الفني والجوانب الاقتصادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *