ناصر حجازي: أسطورة المرمى الإيراني الذي تحدى السلطة ودافع عن الشعب

النسر الذي حلق بعيداً عن القفص

في مقبرة بهشت الزهراء الواسعة جنوب طهران، يرقد جثمان رجل تجاوزت شهرته حدود الملعب لتصبح رمزاً للكرامة والموقف. إنه ناصر حجازي، حارس مرمى المنتخب الإيراني الأسطوري، الذي تحول من بطل رياضي إلى صوت للإصلاح والتحدي في وجه النظام الحاكم. لقبه الجماهير “حجازي مردومي” أي “حجازي رجل الشعب”، وهو تعبير عن ارتباطه العضوي بآمال ومطالب الإيرانيين العاديين.

ولد حجازي في طهران في ديسمبر 1949، وبدأ مسيرته الرياضية في كرة السلة قبل أن يدفعه إصابة للتحول إلى حراسة المرمى، ليصبح أحد أبرز الحراس في تاريخ القارة الآسيوية. حصل على لقب ثاني أفضل حارس مرمى آسيوي في القرن العشرين، وشارك مع منتخب بلاده في 61 مباراة دولية، أبرزها في دورة الألعاب الأولمبية عام 1976 وكأس العالم عام 1978 في الأرجنتين.

“لقد كان صوتاً للحرية في وقت كان الصمت فيه هو القاعدة.” – تعليق أحد المشيعين خلال جنازته.

حلم مانشستر يونايتد الذي حطمته الثورة

شكلت الثورة الإسلامية الإيرانية في فبراير 1979 منعطفاً مصيرياً في حياة حجازي المهنية والشخصية. فقبل ذلك، كان على أعتاب تحقيق حلم اللعب في أوروبا، حيث أعجب به مدرب مانشستر يونايتد ديفيد سيكستون بعد أدائه المميز في مباراة ودية قبل كأس العالم 1978. لكن قواعد النظام الجديد التي حظرت على اللاعبين مغادرة البلاد، قطعت هذا الطريق عليه.

لم تكن إجراءات النظام الجديد تجاه النجم الشعبي مباشرة في البداية، بل اتخذت أشكالاً ملتوية. فقررت وزارة التربية الرياضية فجأة منع أي لاعب تجاوز 27 عاماً من تمثيل إيران دولياً، في قرار يُعتقد أن هدفه الحقيقي كان إبعاد حجازي عن الأضواء وتقليص شعبيته الجارفة. هذا القدف دفعه إلى التوجه نحو التدريب، حيث واصل من موقع جديد التعبير عن آرائه الناقدة لواقع الكرة في بلاده.

  • شارك في 61 مباراة دولية مع المنتخب الإيراني.
  • حصل على لقب ثاني أفضل حارس آسيوي في القرن العشرين.
  • مُنع من الانتقال إلى مانشستر يونايتد بسبب الثورة الإسلامية.
  • توفي في 23 مايو 2011 عن عمر ناهز 61 عاماً بسرطان الرئة.

من الملعب إلى ساحة التحدي السياسي

بعد وفاة آية الله الخميني وبداية ظهور مؤشرات على احتمالية انفتاح سياسي، بدأ خطاب حجازي يتحول بشكل أكثر وضوحاً نحو الشأن العام. لم يعد الرجل ينتقد أداء الاتحاد الكروي فحسب، بل تجرأ على توجيه الانتقاد المباشر لسياسات النظام ورموزه، منادياً بعودة الحريات التي افتقدها الشعب الإيراني لعقود.

ارتبط اسمه بقوة بحركة الإصلاح، حيث استغل مكانته الاجتماعية الفريدة كأسطورة رياضية محبوبة للتعبير عن مطالب التغيير. كانت علاقته بالجماهير تتجلى في اللحظات التاريخية، مثل تلك الليلة في نوفمبر 1997، عندما تأهل المنتخب الإيراني لكأس العالم 1998 بعد عودة مذهلة أمام أستراليا، لتحتشد طهران بالملايين في احتفال شعبي عفوي تجاوز كل الحدود، شاهدة على القوة الرمزية للكرة التي كان حجازي أحد أبرز وجوهها.

رحل ناصر حجازي جسداً، لكن سيرته بقيت حية كرمز للرياضي الشجاع الذي رفض أن يكون أداة في يد السلطة، واختار أن يكون صدى لأصوات الناس البسطاء. طريقته في مواجهة التحديات، من إصابة رياضية غيرت مساره، إلى قرارات سياسية حرمته من أحلامه، ثم معركته الصحية الأخيرة، كلها رسمت صورة الإنسان المقاوم الذي حوّل كل محنة إلى منحة لإثبات كرامته والتزامه بقيم العدالة والحرية.

طارق الحسيني

كبير محرري قسم الكرة الأوروبية والتحليل التكتيكي التخصص: تحليل خطط اللعب، القراءات التكتيكية المعمقة، وتغطية منافسات الاتحاد الأوروبي (UEFA). الخبرة: صحفي رياضي بخبرة تتجاوز 8 سنوات، يحمل اعتمادات في التحليل الرياضي، ويتميز بقدرته على تفكيك الأنظمة التكتيكية لمدربي الدوريات الخمس الكبرى ووضعها في قوالب تحليلية مبسطة للقارئ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *