هتافات السخرية وإحصائيات الصدمة: عالمان متباعدان في لندن
قبل أسبوعين فقط، كانت هتافات مشجعي تشيلسي في مترو الأنفاق بالقرب من محطة فولهام برودواي تعكس حالة من السخرية المريرة: “سنقيم حفلة عندما يفسد أرسنال الأمر”. هذه الهتافات، التي تخلط بين الأمل في تأهل تشيلسي لدوري الأبطال والرغبة في فشل جارهم اللندني، تكشف عن عمق التنافس والهوة الكبيرة بين الناديين. لكن المفارقة الأكبر جاءت يوم الأحد على ملعب الإمارات، حيث انتصر أرسنال بنتيجة 2-1، ليزيد الفارق بين الفريقين إلى 19 نقطة، وهو رقم يعكس اختلافاً جوهرياً يتجاوز نتائج المباريات ليصل إلى صميم فلسفة إدارة الأندية.
ففي تحليل مالي صادم كشف عنه المحلل المالي المرموق سويس رامبل، بناءً على النتائج المالية لأرسنال للعام 2024-2025، يبدو أن الناديين يعيشان على كوكبين مختلفين تماماً فيما يتعلق بالكفاءة الإدارية والأساسيات التجارية. فبينما سجل أرسنال إيرادات قياسية وكاد أن يحقق التعادل المالي بخسارة طفيفة بلغت مليون جنيه إسترليني واحد فقط، سجل تشيلسي خسارة قياسية في تاريخ الكرة الإنجليزية بلغت 355 مليون جنيه إسترليني في نفس الفترة، وفقاً لتقرير مشهد تمويل واستثمار الأندية الصادر عن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم.
“سنقيم حفلة عندما يفسد أرسنال الأمر.” – هتافات مشجعي تشيلسي.
الانضباط المالي لأرسنال: نموذج يحتذى به في عصر التمويل المعتم
يأتي هذا الأداء المالي الاستثنائي لأرسنال في عصر يتسم بالإنفاق الكروي المعتم والمثير للقلق، حيث تشهد الساحة ممارسات غريبة مثل قيام تشيلسي ببيع فريق كرة القدم النسائي الخاص به “لنفسه” والمطالبة بأن هذه الصفقة تحقق لهم ربحاً! بينما لا تزال قضية الاتهامات الـ 115 الموجهة لمانشستر سيتي بشأن المخالفات المالية تنتظر حكماً. في هذا المناخ، يظهر تقرير سويس رامبل أن فكرة منافسة نادٍ على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز بينما هو على شفير التعادل المالي لا تزال ممكنة.
هذا الإنجاز يطرح سؤالاً جوهرياً: بدلاً من السخرية من أرسنال أو التقليل من شأنه، كما فعل البعض بوصفهم “أرسنال الركلات الثابتة” على لسان كريس ساتون، أو التشكيك في قوتهم النفسية أو عدد أهدافهم من الهجمات المنظمة، هل يجب علينا الاحتفاء بنادٍ يتحدى على أربع جبهات هذا الموسم (الدوري، دوري الأبطال، الكأس المحلي) دون أن يشعر بالحاجة إلى تمديد حدوده المالية إلى نقطة الانهيار أو الانغماس في المناورات المالية المشبوهة؟
“أرسنال الركلات الثابتة.” – كريس ساتون.
يكشف التقرير عن ملاحظات حول نمو أرسنال خلال السنوات الثلاث الماضية، وهي الفترة التي تضاعفت فيها إيراداته التجارية والإيرادات الإجمالية تقريباً. لقد تم إعادة هيكلة الجانب التجاري من أعمال النادي بشكل كامل، من خلال:
- تجديد وتوسيع صفقة الرعاية مع طيران الإمارات.
- الحصول على أول سنة كاملة من الدخل من صفقة حقوق تسمية مركز سوبها ريالتي للتدريب.
- تحسين القيمة من العديد من صفقات الرعاية الثانوية.
- تحول التركيز من السوق الصينية إلى السوق الأمريكية، والذي أثمر عن عائد هائل.
المقارنة مع الجيران والمسار المستقبلي
قبل عامين فقط، كان أرسنال يتخلف عن جاره اللندني توتنهام هوتسبير بمرتبتين في دوري ديلويت للمال وبفارق 60 مليون جنيه إسترليني في مستويات الدخل التجاري. لكن الرقم الأكثر لفتاً للانتباه في البيانات المالية الأسبوع الماضي كان الدخل التجاري لأرسنال لعام 2024-2025، والذي بلغ 263 مليون جنيه إسترليني، مما يمثل ارتفاعاً بنسبة 21% على أساس سنوي. هذا الرقم يقرب الفجوة مع توتنهام إلى 14 مليون جنيه إسترليني فقط، علماً بأن ملعب توتنهام الأكبر سعة يمنحه تفوقاً طبيعياً في إيرادات المباريات.
هذا التحول المالي الهائل ليس مجرد رقم في تقرير، بل هو ترجمة لاستراتيجية طويلة الأمد تقوم على الاستدامة والنمو العضوي. بينما يبدو أن تشيلسي، تحت ملكية مجموعة تود بوهلي، تتبع نموذجاً مختلفاً يعتمد على الإنفاق الهائل على عمليات الانتقال ورواتب اللاعبين، على أمل تحقيق عوائد سريعة، وهو ما انعكس سلباً على أرض الملعب هذا الموسم بفارق الـ 19 نقطة المخزية.
في النهاية، بينما تستمر المنافسة المحتدمة على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز بين أرسنال وليفربول، تقدم قصة أرسنال المالية درساً مهماً للأندية الطموحة: النجاح الرياضي الكبير لا يجب بالضرورة أن يقترن بمخاطرة مالية مجنونة. القدرة على المنافسة على جميع الجبهات مع الحفاظ على هيكل مالي سليم هو إنجاز قد يكون، في عصرنا الحالي، بنفس أهمية رفع الألقاب.