يضع غياب النجم المخضرم ماركو فيراتي، بسبب إصابة في الركبة تعاني منه منذ 15 يناير، المدير الفني للمنتخب الإيطالي جنارو غاتوزو أمام اختبار حقيقي لقدرته على إدارة الأزمات والتجديد التكتيكي. يأتي هذا الغياب في لحظة مصيرية للغاية، حيث يستعد الأتزوري لخوض غمار التصفيات الإضافية المؤهلة لكأس العالم، بمواجهة نصف النهائي أمام أيرلندا الشمالية في 26 مارس، على أن يلتقي الفائز في النهائي إما بويلز أو البوسنة والهرسك خارج الديار في 31 مارس. فقدان فيراتي، صانع الألعاب الذي كان على وشك العودة للمنتخب بعد غياب منذ صيف 2023، ليس مجرد غياب للقيمة الفنية فحسب، بل هو فقدان للخبرة الحاسمة والهدوء تحت الضغط في وسط الملعب، وهي صفات يصعب تعويضها في مباريات الإقصاء المباشر حيث يكون هامش الخطأ شبه معدوم.
من الناحية التكتيكية، تشير كل الدلائل إلى أن غاتوزو سيعتمد على ثلاثي وسط مألوف لكنه يفتقر للعمق الاستراتيجي الذي يوفره فيراتي. من المتوقع أن يشكل نيكولو باريلا الإنتر وساندرو تونالي نيوكاسل ثنائي خط الوسط الهجومي (رقم 8)، بينما يتولى مانويل لوكاتيلي اليوفنتوس دور المحور الدفاعي (رقم 6). هذه التشكيلة توازن بين الطاقة والغطاء الدفاعي والاندفاع للأمام، لكنها تفتقد إلى ذلك الصانع المركزي القادر على التحكم في إيقاع اللعب واختراق الخطوط المتجمعة بكثافة، وهو الدور الذي برع فيه فيراتي لعقد من الزمن. هنا تكمن المعضلة الحقيقية: هل سيلجأ غاتوزو إلى أسلوب لعب أكثر مباشرة وسرعة في الانتقال، معتمداً على أجنحة مثل فيدات موراتي أو ماتيو ريتسي لتوفير الإبداع، أم سيحاول إيجاد بديل تكتيكي داخل التشكيلة يحاكي أدوار فيراتي؟
الخيار الأكثر إثارة للاهتمام هو استدعاء الشاب نيكولو بيسيلي (21 عاماً) من روما لملء الفراغ في القائمة. هذا القرار، إذا تم تأكيده، يعكس نية غاتوزو في إعطاء فرصة للدماء الجديدة والمراهنة على الحماس والجدة التكتيكية. بيسيلي، رغم موهبته الواضحة، يختلف نمط لعبه عن فيراتي؛ فهو أكثر اندفاعاً نحو منطقة الجزاء ويهدد بالتصويب من خارج الصندوق. قد يدفع هذا غاتوزو لتعديل خطة اللعب لاستغلال نقاط قوة البديل الجديد بدلاً من محاولة استنساخ دور الغائب. أسماء أخرى واردة في الحسبان مثل دافيد فراتيزي (الإنتر) أو لورينزو بيليجريني (روما) يمكن أن تقدم حلولاً مختلفة، حيث يجمع فراتيزي بين القوة الجسدية والوصول إلى مناطق التهديف، بينما يمتلك بيليجريني رؤية جيدة للتمرير لكنه يفضل اللعب في مساحات متقدمة.
بشكل أعمق، تمثل هذه الأزمة لحظة انتقالية في تاريخ خط الوسط الإيطالي. الاعتماد لفترة طويلة على فيراتي كحجر الزاوية جعل عملية البحث عن بديل أو خليفة استراتيجي أمراً مُلحاً. المواجهتان القادمتان ستكونان محكاً حقيقياً ليس فقط لأهليّة إيطاليا للذهاب إلى كأس العالم، ولكن أيضاً لفعالية عملية التجديد التي يقودها غاتوزو. هل يمكن لثلاثي باريلا-تونالي-لوكاتيلي، المدعوم بمواهب شابة متحمسة على الدكة، أن يوفر التوازن المطلوب بين الهجوم والدفع، وبين الإبداع والصلابة، في موقف يتسم بضغط هائل؟ الإجابة ستكشف عنها ملعب المواجهة، حيث يجب على غاتوزو أن يثبت أن بإمكانه صناعة فرق رابح حتى في ظل غياب أهم لاعبه.