أزمة فياريال التكتيكية: إنجاز الدوري يخفي عيوباً قاتلة في المواجهات الكبرى

يقدم فياريال تحت قيادة المدرب مارسيلي غارسيا تورال صورة متناقضة تثير الحيرة والقلق في آنٍ معاً. فمن ناحية، يحقق النادي من بلدة فياريال الصغيرة إنجازاً تاريخياً في الدوري الإسباني، حيث يتصدر المركز الرابع بفارق ثماني نقاط مريحة عن ريال بيتيس، ويتعادل في النقاط مع أتلتيكو مدريد صاحب المركز الثالث، مسجلاً أفضل حصيلة نقاط في تاريخه في هذه المرحلة من الموسم. هذا الأداء المتميز في المسابقة المحلية يجعل عودة دوري أبطال أوروبا إلى ملعب إستادي دي لا سيراميكا الموسم المقبل شبه مؤكدة، وهو إنجاز لم يسبق للنادي تحقيقه في موسمين متتاليين من قبل. ومع ذلك، فإن هذا النجاح الظاهري يخفي وراءه أزمة عميقة في الأداء التكتيكي والنفسي للفريق، خاصة في المواجهات المصيرية، مما يضع مستقبل المدرب مارسيلي، الذي تنتهي عقده نهاية الموسم، على المحك رغم المفاوضات الجارية لتجديده.

تكمن الكارثة الحقيقية في الأداء المخيب في دوري الأبطال هذا الموسم، حيث جمع فياريال نقطة واحدة فقط من ثماني مباريات، ليهوي إلى المركز الخامس والثلاثين في جدول ترتيب يضم 36 فريقاً. هذا الإخفاق لم يكن محض صدفة، بل هو نتاج عيوب تكتيكية هيكلية. الفريق، المعروف تاريخياً بـ”التابع المتمرد” القادر على إزعاج الكبار بفضل روح القتال والتنظيم الدفاعي المحكم والهجمات المرتدة القاتلة، فقد هويته هذه تماماً. لقد تعرض للتمزيق تكتيكياً من قبل فرق مثل باير ليفركوزن وبوروسيا دورتموند، التي فضحت ضعف خط الوسط في استعادة الكرات وعدم القدرة على التحكم في إيقاع المباراة. كما أظهر عجزه التام أمام مانشستر سيتي وتوتنهام هوتسبور، حيث فشل حتى في إطلاق طلقة واحدة مؤثرة على المرمى، ناهيك عن الهزائم المخزية أمام فرص أقل شأناً مثل بافوس وكوبنهاغن وأياكس. هذه النتائج تشير إلى أزمة في التكيف التكتيكي، حيث يبدو مخطط مارسيلي قابلاً للقراءة والاختراق من قبل المدربين الأذكياء في أوروبا، وفاشلاً في حماية دفاع هش يتعرض للاختراق بسهولة عند فقد الكرة في مناطق خطيرة.

هذه المشكلة لم تقتصر على الساحة الأوروبية، بل امتدت إلى الدوري المحلي، حيث خسر فياريال جميع مبارياته الخمس أمام الثلاثي الكبير: برشلونة وريال مدريد وأتلتيكو مدريد. الأكثر إثارة للقلق هو طريقة الخسارة؛ ففي كثير من هذه المواجهات، بدا الفريق غير قادر على المنافسة، يفتقر إلى الشجاعة الهجومية والصلابة الدفاعية التي تميز بها في الماضي. حتى أمام منافسه المباشر على المركز، ريال بيتيس، أضاع تقدمًا بهدفين في أرضه قبل أن ينهار ويخسر خارج الديار. هذا النمط يطرح تساؤلات جوهرية عن قدرة مارسيلي على تحضير فريقه نفسياً وتكتيكياً للمباريات الحاسمة. التعليق التحليلي الذي أشار إلى أن فوز فياريال على ليفانتي جاء بسبب “أخطاء ليفانتي وليس بسبب إتقان فياريال” يلخص هذه المعضلة: الفوز دون إقناع، والأداء الهزيل حتى في الانتصارات. السؤال المحوري الآن: هل يمكن لفريق أن يبني مشروعاً طموحاً ويعتمد على هذا النمط غير المتوازن – التفوق على المتوسطين والانهيار أمام الأقوياء – لأكثر من موسم؟ التاريخ والإحصاءات يجيبان بالنفي القاطع. مستقبل مارسيلي في فياريال لا يرتبط فقط بتحقيق المركز الرابع، بل بقدرته على تقديم إجابات مقنعة عن هذه الثغرات التكتيكية والفكرية التي قد تكلف النادي غالياً في موسمه الأوروبي المقبل المتوقع.

رنا الصالح

رنا الصالح صحفية رياضية ومتخصصة في تحليل كرة القدم الأوروبية، مع خبرة أكثر من 7 سنوات في تغطية المباريات الكبرى وكتابة تحليلات تكتيكية مفصلة للأندية واللاعبين. تعمل أيضًا على التحليل المالي والاقتصادي لصفقات الانتقالات والقيم السوقية للأندية، مما يتيح رؤية شاملة تجمع بين الأداء الفني والجوانب الاقتصادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *