كثرة المباريات تهدد جودة كرة القدم.. لماذا يعتبر الرحال الطويل عائقاً أمام الأندية؟

عبء الرحال الطويل: عندما تصبح المسافة عدواً للأداء

مع دخول الموسم الكروي أشهره الأخيرة، تتزاحم المباريات بوتيرة مكثفة، خاصة للأندية الإنجليزية التي لا تزال منخرطة في منافسات القارة الأوروبية. هذا الازدحام يفرض تحديات هائلة تتجاوز مجرد التخطيط التكتيكي، لتمس صميم رفاهية اللاعبين وقدرتهم على المنافسة بأقصى طاقاتهم. السفر لمسافات بعيدة، والتعامل مع فروق التوقيت، ثم العودة لمواجهة مباريات صعبة في الدوري المحلي، كلها عوامل تشكل عبئاً إضافياً على المدربين الذين يحاولون الحفاظ على أداء فرقهم.

“الأكبر لا يعني الأفضل” – لماذا لا تصب كثرة المباريات في مصلحة اللعبة؟

خلال هذا الأسبوع، واجه نيوكاسل يونايتد واحدة من أصعب الرحلات، حيث قطع فريقه 2529 ميلاً إلى باكو في أذربيجان، وهي أطول مسافة يسافرها فريق إنجليزي في تاريخ دوري أبطال أوروبا. الجمع بين مشقة هذه الرحلة ذهاباً وإياباً، وصعوبة مواجهة مانشستر سيتي خارج الأرض مساء السبت، يضع الفريق في اختبار حقيقي. الإحصائيات تؤكد أن الفرق التي تلعب خارج أرضها في أوروبا عادة ما تعاني في مباريات الدوري التي تلي ذلك مباشرة.

تجربة شخصية: البحث عن التوازن المستحيل

هذا التحدي ليس جديداً. خلال فترة تدريبي لفريق ستوك سيتي في الدوري الأوروبي، واجهنا رحلات طويلة إلى إسرائيل وأوكرانيا وكرواتيا وتركيا. جربنا كل الطرق الممكنة لتعافي اللاعبين، من العودة فوراً بعد المباراة، إلى البقاء لليلة واحدة للسماح للطاقم الطبي بإجراء جلسات استشفاء خفيفة في الصباح قبل العودة. كان من الصعب جداً إيجاد الطريقة المثلى. بغض النظر عما جربناه، كانت مواجهة مباراة خارجية في عطلة نهاية الأسبوع نفسها أمراً في غاية الصعوبة، وكبدنا ذلك هزائم ثقيلة في الدوري الإنجليزي الممتاز.

العديد من الفرق تواجه المعضلة ذاتها. لا أعتقد أن أحداً وجد الحل النهائي لهذه المشكلة تحديداً، رغم وجود أساليب لإدارة لياقة اللاعبين على مدار الموسم يمكن تطبيقها بفعالية.

تطور الرعاية الطبية: من حقن المسكنات إلى علوم البيانات

شهدت كرة القدم الحديثة استثمارات هائلة في جميع أقسام الأندية، وخاصة أقسام الطب وعلوم الرياضة. هذه الأقسام توفر اليوم كميات ضخمة من البيانات المتعلقة بقضايا اللياقة، ويعامل اللاعبون دون شك برعاية واهتمام أكبر من أي وقت مضى.

  • ولى زمن الحقن والحبوب المسكنة التي كانت تُعطى فقط لإخراج اللاعب إلى الملعب دون أي تساؤل.
  • في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، اعتمد العديد من اللاعبين على أموال الظهور والمكافآت لدفع أقساط منازلهم، لذا كان تجاوز حاجز الألم أمراً مفروغاً منه.
  • كمية التغيير في لعبتنا منذ ذلك الحين في جميع الأقسام مذهلة، ومعظمها جعل الأمور أفضل لجميع المعنيين.

رغم كل هذا التقدم، لا تزال هناك تساؤلات حول إصابات الأنسجة الرخوة ولماذا لا تزال تحدث بهذا الكم. خلال سنوات عملي في الدوري الإنجليزي الممتاز، تعاونت مع طاقم طبي رائع، وأطباء نادي، وأخصائيي علاج طبيعي، ومدربي لياقة.

فلسفة الاستعداد: منع الإصابات قبل حدوثها

في بداية كل معسكر تحضيري، كنت أوضح ما أحتاجه من كل شخص في الطاقم. كان محوري الرئيسي هو منع إصابات الأنسجة الرخوة، مثل إجهاد أوتار المأبض والعضلة الخلفية والفخذ. كنت أعتقد أنه إذا تم إعداد اللاعبين والعناية بهم بالطريقة الصحيحة، فيمكننا تجنب هذه الإصابات.

كان منطقي يقوم على أن إصابات المفاصل الناتجة عن التدخلات التنافسية ستحدث دائماً ولا يمكننا التحكم فيها، لكن الإصابات العضلية يمكننا منعها. كان المعسكر التحضيري يتكون من 10 إلى 14 يوماً من العمل على التحمل، كل ذلك ضمن نطاق معين لا يعيق أو يزعج العضلات الرئيسية في أرجل اللاعبين.

بعد التشاور مع طاقمي الطبي، لضمان أن اللاعبين أقوياء بما يكفي، كانت الجلسات تصبح تدريجياً أقصر وأسرع، مع الكرة وبدونها. بمجرد تنفيذ قاعدة صلبة من القوة والتكييف، وبداية الموسم، كان روتيننا العام يستلزم بروتوكولات صارمة للتعافي والراحة بين المباريات، مع مراقبة مستمرة لبيانات كل لاعب لتجنب الإرهاق.

الخلاصة أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه كرة القدم الحديثة لا يكمن فقط في الفوز بالمباريات، بل في إدارة الموارد البشرية في ظل جدول مزدحم يهدد بتحويل اللعبة إلى سباق ماراثوني ضد الوقت والإرهاق، حيث قد تنتصر الكمية على حساب الجودة.

رنا الصالح

رنا الصالح صحفية رياضية ومتخصصة في تحليل كرة القدم الأوروبية، مع خبرة أكثر من 7 سنوات في تغطية المباريات الكبرى وكتابة تحليلات تكتيكية مفصلة للأندية واللاعبين. تعمل أيضًا على التحليل المالي والاقتصادي لصفقات الانتقالات والقيم السوقية للأندية، مما يتيح رؤية شاملة تجمع بين الأداء الفني والجوانب الاقتصادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *