بعد أربع سنوات من الإنجازات الاستثنائية، توشك صفحة وليد الركراكي مع منتخب المغرب على الانغلاق، ليفتح باب مرحلة جديدة تحت قيادة محمد وهبي، مدرب جيل الذهب الشاب. هذا التحول ليس مجرد تغيير تقني في مقعد المدرب، بل هو محطة مفصلية في مسيرة أسود الأطلس، تطرح أسئلة مصيرية عن قدرة الفريق على الحفاظ على إرث تاريخي ومواصلة البناء عليه في ظل توقعات جماهيرية هائلة.
يأتي قرار إنهاء تعاون الركراكي بعد رحلة حافلة بدأت عام 2022، توجت بتحقيق إنجاز قاري وعالمي غير مسبوق. قاد الركراكي المنتخب إلى بلوغ نصف نهائي كأس العالم في قطر، ليكون أول منتخب عربي وإفريقي يصل إلى هذه المرحلة المتقدمة في البطولة الأكبر. هذه الرحلة لم تكن محض صدفة، بل كانت نتاج خطة منهجية ورؤية تكتيكية واضحة، اعتمدت على خط دفاعي منيع ومتناغم، حيث تلقى المنتخب 5 أهداف فقط في 7 مباريات خلال المونديال، وتمكن من إبقاء مرماه نظيفاً في 4 منها، بما في ذلك أمام عمالقة مثل إسبانيا والبرتغال. هذا الإنجاز حوّل أسود الأطلس من فريق واعد إلى قوة عالمية تحترمها كل المنتخبات.
التحليل التكتيكي لفترة الركراكي يكشف عن أسباب متعددة لنجاحه، وأخرى ربما قادت إلى نهاية رحلته. اعتمد المدرب المغربي على نظام دفاعي متكامل، غالباً ما كان يلعب بخطوط ثلاثية أو خماسية في الخلف، معتمداً على سرعة اللاعبين في الانتقال للهجوم المضاد. هذه الفلسفة أنتجت فريقاً صعب الاختراق، لكنها واجهت تحديات في خلق فرص هجومية متنوعة ضد الفرق التي تفضل السيطرة الكروية. الإحصاءات تشير إلى أن المغرب كان من أقل الفريقين تسجيلاً للأهداف في تصفيات كأس العالم 2026، حيث سجل 5 أهداف فقط في 4 مباريات، رغم تصدره للمجموعة. هذا النقص في القوة الهجومية ربما كان أحد العوامل التي دفعت الاتحاد نحو التغيير، خاصة مع تراكم الضغوط بعد الخروج المبكر من كأس أمم إفريقيا 2023.
الأرقام والإحصائيات تؤكد أن الركراكي غادر إرثاً صعب المتابعة. خلال 47 مباراة قاد فيها المنتخب، حقق فوزاً في 28 منها، وتعادل في 12، وخسر 7 فقط، بمعدل فوز يبلغ 59.6%. قاد الفريق في 14 مباراة في التصفيات المؤهلة للبطولات الكبرى، لم يهزم في أي منها (8 انتصارات و6 تعادلات). هذه الأرقام تضع سقف توقعات مرتفعاً جداً لخلفه، محمد وهبي، الذي يأتي محملاً بإنجاز تاريخي مختلف: التتويج بكأس العالم للشباب تحت 20 عاماً في أكتوبر الماضي. وهبي يمثل جيلاً جديداً من المدربين، يعرف تفاصيل الكرة المغربية الحديثة ويمتلك خبرة في قيادة جيل كامل من المواهب الشابة التي ستشكل عماد المنتخب الأول في السنوات القادمة.
تداعيات هذا التغيير ستشكل مستقبل أسود الأطلس في المدى المتوسط. اختيار وهبي، البالغ من العمر 45 عاماً فقط، يشير إلى رغبة الاتحاد في الاستثمار في مشروع طويل الأمد، يقوم على دمج نخبة الجيل الذهبي الحالي، بقيادة لاعبي وزن أخدير وعوني وعزيز، مع المواهب الصاعدة التي قادها وهبي نفسه للقب العالمي. طاقمه الفني المتوقع، الذي يضم البرتغالي جواو ساكرامنتو والنجم السابق يوسف حاجي، يمزج بين الخبرة الأوروبية في التحليل التكتيكي والمعرفة العميقة بالكرة المغربية. التحدي الأكبر سيكون في إدارة مرحلة انتقالية سلسة، والحفاظ على الروح القتالية التي ميزت الفريق، مع تطوير أدائه الهجومي ليكون أكثر فاعلية وتهديداً.
في الختام، تغادر أسطورة وليد الركراكي مقعد القيادة بعد أن نقلت المنتخب المغربي إلى مصاف النخبة العالمية، تاركاً معايير نجاح عالية وخريطة طريق واضحة. مهمة محمد وهبي لن تكون تكراراً للإنجاز، بل تطويراً له وبناءً عليه. نجاحه سيقاس بقدرته على تطوير آلة هجومية متوازنة مع الحفاظ على القلعة الدفاعية، ودمج الأجيال بسلاسة، ومواصلة التأهل للبطولات الكبرى من المركز الأول. الرحلة القادمة لأسود الأطلس، تحت قيادة جديدة وبمعايير جديدة، هي اختبار حقيقي لمدى رسوخ المشروع الكروي المغربي، وقدرته على تجاوز شخصنة النجاح والتحول إلى مؤسسة足球ية دائمة التالق.
—
**اقرأ أيضاً في هذه التغطية:**